تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٦ - بصيرة سر تقديم العبادة على الاستعانة
التفصيل عن شهوده و اضمحلّت الكثرة في وجوده ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله و سبحات نور جلاله لاستغراقه في بحر التوحيد فلا ينظر إلى ما سواه و لا يستعين إلّا إيّاه فيقول عند ذلك: إيّاك نستعين. أي في مشاهدة آلائك بمشاهدة ذاتك و صفاتك فحينئذ يرجع من الحقّ بالحقّ ٨٣ ٨٤ إلى الخلق و هذا هو السفر الثالث من الأسفار الأربعة الواقعة من الكاملين المكملين.
فإذا رجع بالوجود الحقّاني الموهوب إلى حالة الصحو بعد المحو و انشرح صدره و وسع الحقّ و الخلق صار منتصبا في مقام الاستقامة كما أمر اللّه به الرسول- صلّى اللّه عليه و آله في قوله: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [٨١/ ١١٢] متوسّطا في صراط الحقّ بين التشبيه و التعطيل، ناظرا بعين الجمع إلى التفصيل و إليه الإشارة بقوله: اهدنا الصراط المستقيم.
و ذلك هو الفوز العظيم و المنّ الجسيم فقوله: ايّاك نعبد إشارة إلى مقام السلوك إلى اللّه و التقرّب إليه بالعبوديّة التامّة له و هي مرتبة الولاية المشار إليها في قوله: [١] لا يزال يتقرّب العبد إليّ بالنوافل حتّى أحببته. و قوله: و ايّاك نستعين. إشارة إلى مقام الصحو بعد المحو و هي مرتبة النبوة، المشار إليها في قوله تعالى: فإذا أحببته كنت سمعه و بصره ٨٥ و يده و رجله- الحديث.
بصيرة [سر تقديم العبادة على الاستعانة]
قيل: قدّمت ٨٦ العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤس الآي. و قيل: إنّ العبادة وسيلة لطلب الحاجة و تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة و أسرع للقبول.
[١] راجع التوحيد للصدوق (ره): ٤٠٠. و البخاري: ٨/ ١٣١.